
كم نحن مقصرون في حق أعلامنا الذين نعيش معهم، ولا نكاد نذكر فضلهم إلا بعد أن يفارقوا دنيانا، فنذكر حينها مناقب المرحومين ومزاياهم، وطيب شمائلهم، وأصبحت ثقافة تكريم الموتى هي السائدة في أكثر المجتمعات، وكان حريّاً بنا أن نكرّمهم قبل أن نفقدهم، لنشد من أزرهم، وليكونوا علامات حيّة على طريق الدعوة إلى الله، ودليلاً جلياً على استمرار الخيرية في هذه الأمة، فوجود الصالحين ليس حكراً على حقبة معينة دون غيرها، بل أمتنا ولودُ بالخير والأخيار إلى قيام الساعة.
واليوم نعيش مع أنموذج حيّ ما يزال مستمراً في عطائه، له سمته بين شعراء الإسلام المعاصرين، الذي أتحفنا ببديع شعره، وعذوبة ألفاظه، ورصانة أسلوبه، ورُقيّ موضوعاته، وحسن منطقه، وسمو مقصده، ولطف إشارته، فلامس شَغَاف قلوبنا بصدقه ونبله ونبض إخلاصه.
إنه الشاعر الحمصيّ: خالد البيطار، ولد في حمص ‑ مدينة خالد بن الوليد‑ عام 1942م، حيث درس فيها الإعدادية والثانوية، وحصل على درجة الليسانس في الشريعة من جامعة دمشق العريقة عام 1966م، كما حصل منها على دبلوم عام في التربية عام 1967م، وعمل في مجال التربية والتعليم.
وتتلمذ شاعرنا على العديد من أعلام الشام مثل: الدكتور: مصطفى السباعي، والشيخ: مصطفى الزرقا، والدكتور: معروف الدواليبي ‑ رحمهم الله جميعاً‑ وغيرهم من أهل العلم والفضل.
وله في الشعر ثلاثة دواوين أولها: أجل سيأتي الربيع، وثانيها: أشواق وأحلام، وثالثها: يا ربيع الحياة.
شعر خالد البيطار:
- لا عجب مما يملكه شاعرنا من أحاسيس مرهفة، ووجدان صادق، ووفاء لإخوان دربه، فهو الذي نهل من بيئة ملؤها الصفاء والطهر والنقاء، وإن شئتم فاقرؤوا معي هذه الأبيات التي قالها في رثاء الأخ الداعية الأديب: محمد الحسناوي رحمه الله:
ماذا أقول وقلبي كاد ينفطرُ
الموت حق ولكنا نضيق به
حاولتُ إخفاء دمعي مُظهراً جلداً
أخي الحبيب أبا محمود كم سهرتْ
وكم شهرتَ سلاحاً أنت تتقنه
ورُبَّ قولٍ له في الحرب موقعُهُ
|
مما ألمَّ به إذ جاءه الخبرُ
أليس فيه الفراق المر والكدر
فما استطعتُ وصار الدمع ينهمر
عيناكَ كم كتبتْ يُمناكَ تبتكر
فارتدّ لما رآه الكاذبُ الأشِر
يصيبُ مالا يصيب القوسُ والوتر
|
- إنه شاعر ذواقة، تهزه آيات الجمال، فيصوغ ألحاناً تعزفها أوتار القلوب، فتنطلق شجيّة تذكره بالماضي من السنين، فيقول في إحدى قصائده:
جـاء الـربـيـعُ إلى الدنيا بزينته
فـالأرضُ مـخْضرّةٌ تزهو برونقها
وكـل أشـجـارِهـا غـنّاءُ مُورِقَةٌ
كمِ استراحتْ بها نفسي وكم سرحتْ
|
وكـنـتُ أعـرفه من قبلُ في بلدي
زهـرٌ بـديـعٌ وورْدٌ عاطرٌ ونَدِي
وكـلُ غصنٍ على الأشجار في أَوَد
روحـي وكـم طرِبتْ مِنْ بلبلٍ غَرِد
|
- هو شاعر لصيق بواقع أمته، يعيش آمالها وآلامها، ولنطالع معاً إحدى قصائده الحديثة (يا أهل غزة)، والتي نشرها على موقع (رابطة أدباء الشام) بتاريخ: 7/3/2009م، حيث يقول فيها:
يـا أهـل غَـزَّةَ أنـتمُ الأبطالُ
عـلّـمـتمُ الدنيا الثباتَ بصبركم واسـتـبشِروا بالنصر أنتم أهلُه الـمـؤمنون همُ الرجالُ وغيرُهم |
سـتـسير خلفَ خُطاكُمُ الأجيالُ
فـامـضوا ولا تُرْهِبْكُمُ الأهوال وبـنـصـرِكـم تـتحقق الآمال شِـبْـهُ الـرجـالِ تلُفُّهم أسمال |
ويقول في موضع آخر من القصيدة ذاتها:
أنـتـم رَفـعتم رأسَ أمّتكم وقدْ
وحـمـلتمُ العبْءَ الثقيلَ لتوقظوا حـرّرتـمُ الجيلَ الذي عاثت به فـاستبشَرَ الأقصى بكم، ولطالما |
كـادت تُـكـبِّل عِزَّها الأغلال
مَـن نـام مِـنّـا أو عَرَاهُ خبال كـفُّ الـضَّـياعِ وآدَهُ التّرحال أعـداؤه سـفكوا الدماء وصالوا |
- هاجر شاعرنا البيطار من موطنه دون اختيار منه، مخلفاً وراءه الأهل والأحباب، وذاكرة الطفولة، فعبر عن آلام الآلاف بكلمات بسيطة صادقة، ليُطلق المشاعر المكبوتة من عقالها، حيث يقول:
غبتُ عن موطني وعن أحبابي
أنا جسمي هنا، وروحي شرود وأُناجي ربّي الرحيم وأرجـو |
وغـدا خافقي أسـيـر اغترابي
دائـماً بيـن جيئـة وذهـاب منه فضلاً: أن لا يطول غيابي |
وفي قصيدة أخرى يخاطب فيها مدينته (حمص) بكلمات تهيج المشاعر يقول فيها:
إلـيـكِ يا حِمصُ يهفو
قـد طال بُعدي ومالي قـد أخـرجوني قسراً تـركتُ أهلي وصَحبي يا حمص كيف الروابي كـيف العصافيرُ تشدو كـيف البحيرةُ أضحت ونـهرها كيف يجري وسـهـلها كيف يزهو و"الجسر" و"الرَّيُّ " فيها |
قـلـبـي وشوقي يَزيدُ
إلـيـكِ دربٌ يُـعـيدُ وكـاد قـلـبـي يَميدُ فـهـل تراني أعود؟؟ يا حمصُ كيف النجودُ والـبـلـبـلُ الغِرّيد ومـاؤهـا هـل يزيد ألا يــزال يـجـود ووعـرهـا الـممدود و"الـمـشتلُ" المورود |
- شاعرنا إنسان واضح الخَطْو، ثابت الخطوة، يكره الزيف والنفاق، وينحاز دوما إلى الوضوح ودرب السداد، فيعيب على من يتمسكون بالمظاهر فينشغلون بها عن جوهر الدين فيقول في قصيدة بعنوان (إذا):
إذا مـا أصـبـحَ الإسلامُ ثوباً
وأقـوالاً يـنـمـقـهـا خبير ومِـسـبـحـةً يطقطقُها لَعوبٌ فـعـنـدئذٍ يفيضُ البؤسُ حتى |
وطُـربـوشاً تُزركشهُ العِمامةْ
ويـرصـفُـها شعاراً للزعامة لـيـجعلَها على التقوى عَلامة تـكـاد تـراه في كل ابتسامة |
وفي مقطع آخر من القصيدة ذاتها يتكلم على حال العلماء إذا ابتعدوا عن رسالتهم، وركنوا إلى الدنيا يطلبون الجاه والسلطان، وانشغلوا بمباهج الدنيا وزخارفها، يقول فيهم:
إذا صـار الـدعـاةُ عبيدَ جاهٍ
وصـاروا يطلبونَ العيشَ سلْماً وبـاتـوا فـي جدالٍ واحترابٍ فـعـنـدئذٍ –ويا أسفاً عليهم- |
وسـاروا فـي متاهاتِ الدّروبِ
ويـغـتـرُّونَ بالأمل الكذوبِ ولـم يُـصغوا لإرشادِ الطبيبِ يـكـونـونَ الـمطايا للركوبِ |
- ونرى شاعرنا الهادئ، صاحب الكلمات الرقيقة، يضج أحيانا فيرتفع بنبرته، ليتناسب المقال مع المقام، وليعلو الزئير بعد هدأة الأسد، فيقول في بعض أبياته:
مَـنْ هيّجَ القلبَ حتى ثار بركانـاً
نـام الخَليّون(1)وارتاحت نفوسهمـو محلّقاً فوق هام الشامخات، ومَنْ ما كانت الحرب في يوم نذير أسى مـا كانت الحرب في يوم لترهبنا نستـشرف القـدر المكتوب نقرؤه |
وفجّر الروح إعصاراً ونيرانا؟
للذلّ ، وانتفض الشاهين عُريانا يهوَ الضياء يرَ الإغضاء كفرانا هي البشير فسـلْ عنها سرايانا نحن الأباة، ولا نخشى منايانـا ولا نرى فيه غير النصر عنوانا |
هذا هو الشاعر خالد البيطار في عجالة، كنت أتمنى ألا أغادر روضتة الشعرية إلا بعد أن أوفّيه بعض حقه، ولكن هيهات هيهات أن أدرك ذلك، فمعذرة لقلة زادي، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
(1) الخَلِيُّ: الخالي من الهم، وهو ضد الشجي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق