2011/11/12

إنهم يسرقون أحلام الطفولة – بقلم: مصطفى مفتي


في هذه الأيام استدعتني ذاكرة الطفولة، فلبيتها مقلباً صفحاتها، فتدافعت الذكريات المرتبطة بالعيد لتحرك مشاعري التي أحاول أن أخفيها عن أبنائي لأصنع لهم جواً من الراحة ينعمون فيه بشيء من البهجة والسرور.

فتذكرت ملابس العيد وما يتعلق بها من مباهج ومباهاة بين الأقران، فلا تكاد الفرحة تسع أحدنا حتى ينتظر الصباح، فكم من مرة باتت الأحذية في الفراش والجوارب تحت الوسائد، وكم رأينا من أحلام جميلة في المنام وفي اليقظة تفسر الحال التي نحن فيها.

ولا أنسى السيمفونية البديعة التي تَشَكّلَ لحنها من امتزاج صوت طرق قوالب الكعك مع إيقاع الصواني بالإضافة لأصوات الأولاد المتباينة، وصيحات الأمهات التي تزعم أنها تقوم على تهدئة الضجيج فتزيد المقطوعة نغما جديدا.

2011/10/16

السلمية والعسكرة وجهان لقضية واحدة - بقلم: مصطفى مفتي



كثيراً ما نسمع ونتداول في كتاباتنا ونقاشاتنا مفهومي السلمية والعسكرة، وأشعر أحياناً بأننا نهدر الكثير من الوقت من غير طائل.


فعندما أقرأ لمن ينادون بسلمية الثورة، أراهم يؤكدون على سلمية التظاهر، وعدم استخدام السلاح أثناء المظاهرات، والمطالبة بالحقوق والحريات وإسقاط النظام بأسلوب يتناسب مع حضارة الشعب السوري الأبيّ وعراقته التي تضرب جذورها في أصول التاريخ الإنساني.

2011/09/06

متى تكتمل الفرحة بالعيد؟؟ - بقلم: مصطفى مفتي.



العيد رمز للفرح والغبطة والحبور، وعنوان للبهجة والرّاحة والسّرور، إذا نطقنا باسمه تبادر إلى أذهاننا التئام الشمل، واجتماع الأهل والأحبة، وساحة العيد، وتَقافُزُ الأطفالِ، وتمازج أصواتهم وضحكاتهم بسعادة غامرة في لوحة بديعة مِزاجها البراءة.

ولكن هل نفرح بالعيد وقد نُكبنا بشُذّاذِ آفاق ساموا أهلنا مرّ العذاب؟؟!! واستباحوا كلّ حرمة، ولم يتركوا منقصة ولاخسّة ولا دناءة إلا واقترفوها بحق هذا الشعب البطل الكريم، بل أذهلوا شياطينهم بما ابتدعوه من أفانين التنكيل والفتك والإيلام!! يأتي الجواب على لسان الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم‑: (للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، فالصيام مرتبط بمعنى تعبدي، والمؤمن يفرح بما وفقه الله وأعانه على عبادته، ولكن الفرحة تكون منقوصة، ولا تكتمل ونحن على هذه الحال.

2011/08/02

دعوها فإنها مأمورة - بقلم: مصطفى مفتي

بدأت ثورة الكرامة في سورية الحبيبة بتقدير إلهيّ، ولم يتوقع بدايتها ومجرياتِها أحد على الإطلاق، بينما توقع الكثيرون انطلاق الثورة في بعض البلدان بعد ارهاصات ومؤشرات تدل عليها.


وكان يتساءل المتابعون للمشهد السوري عن إمكانية قيام ثورة مشابهة على أرض الشام – المباركة‑ ، وعن قدرة هذا الشعب الذي ذاق صنوفاً من الذل والهوان لعقود عديدة أن ينطلق من عقاله، وأن ينتفض في وجه جلاده ليقول له: كفاك شرباً من دمائنا، وخوضاً في أعراضنا، ونهباً لأموالناً، وامتهاناً لحريتنا وكرامتنا.

2011/06/28

الوالد والولد، والفساد في البلد - بقلم: مصطفى مفتي.

هي دوامة يعيشها الشعب المطحون، من عشرات السنين، من أيام الوالد، الذي لا أُحب أن أذكر عهده، لما يحمل من ذكريات أليمة، فهل أذكر مجزرة تدمر التي قضى فيها ثُلة من العلماء والأشياخ والمثقفين من خيرة أبناء سورية الحبيبة؟ أم أذكر مجزرة حماة التي جاوزت بأحداثها كل معقول، فأذهلت العقول؟ أم أذكر التعذيب إلى الموت، مع التفنن بألوانه، التي يعجز إبليس عن ابتكار مثلها؟ أم أذكر قتله لإخواننا من لبنان وفلسطين؟ أم أذكر بقر بطون الحوامل، وانتهاك أعراض المحصنات؟ أم أذكر آلاف المعتقلين، وأكثر من سبعة عشر ألفاً من المفقودين لا يُعلم مصيرهم؟ أم أذكر عشرات الآلاف من المهجرين، والمحرومين من وطنهم دونما ذنب اقترفوه؟ فلا أدري من أين أبدأ؟ وإلى أين أنتهي؟ مع يقيني بطول سلسلة الأفعال الشيطانية، التي لا يتسع المقام لسردها.

2011/06/12

بيان علماء الشريعة في لبنان لنصرة سوريا.mp4

أشواك على دروب الاغتراب بقلم: مصطفى مفتي

نعم إنها الغربة، هي ملهمتي في الكثير مما أكتب، هي من يظنها البعض غنيمة، لأنهم لم يجربوا دروبها ومسالكها، ولم يذوقوا لوعتها ومآسيها، ولم يدركوا أهوالها ومخازيها، وخصوصاً أنها لم تكن في يوم من الأيام من خياراتنا، بل أُجبرنا عليها ونحن لها كارهون.


فكم ودعنا من أهل وأصحاب واريناهم الثرى في شتى بقاع المعمورة؟


وكم من عزيز في قومه رحل إلى جوار ربه، ولم يشيعه إلا نفر قليل من بلدان متفرقة؟!!

2011/06/08

رباطة جأش ورباطة جحش - بقلم: مصطفى مفتي

اسألوا الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم‑ عن الشام وأهل الشام، وسيكون الرد حاسماُ من الصادق الصدوق: "ستجندون أجناداً: جنداً بالشام وجنداً بالعراق وجنداً باليمن، قال عبد الله بن حوالة: فقمت فقلت خِر لي (أي اختر لي) يا رسول الله فقال: عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غُدُره، فإن الله عزّ وجل قد تكفل لي بالشام وأهله".


هؤلاء هم جند الشام الذين تكفل الله بهم، والذين أبهروا العالم بشجاعتهم ورباطة جأشهم، وثبات جنانهم، فهم من سطر ملاحم البطولة، وأثبت للعالمين أن الشعوب أقوى من حكامها، وإرادتها هي التي ستسود حالاً أو مآلاً، وأن أساليب الإرهاب والقتل والتنكيل لن تنفع هؤلاء الطغاة، بل ستكون وبالاً وسيفاً مسلطاً على رقابهم.

2011/06/03

علاقة الأسماء بمسمياتها واختلال المفاهيم - بقلم: مصطفى مفتي.

ارتبطت الأسماء بمسمياتها ومدلولاتها منذ أن خلق الله تعالى آدم – عليه السلام‑ حين شرفه المولى عزّ وجلّ بتعليمه أسماء الأشياء قبل الملائكة الكرام، حيث قال تعالى في محكم تنزيله: " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)" [البقرة]، واستمرت العلاقة الأزلية بين كل من الاسم وما يدل عليه إلى أن تلوثت الفِطر، وانحرفت عن مسارها الربانيّ، فبدأ الإنسان يغير الأسماء ليبرر لنفسه ارتكاب المعصية، وانتهاك الحرمات.

وأول من بدأ تحريف الكلم عن مواضعه هم اليهود، حينما كانوا يقولون لنبيّنا محمد – صلى الله عليه وسلم‑ (راعنا) يوهمون السامع أنهم يريدون المراعاة وأن يُلتفت إليهم، وهم في الحقيقة يقصدون السب والتهكم والسخرية بوصف الرسول – صلى الله عليه وسلم‑ بالرعونة، خسئت ألسنتهم وغضب الله عليهم ولعنهم لعناً كبيراً.

2011/06/02

حوارمع الأمين العام لرابطة العلماء السوريين فضيلة الشيخ محمد فاروق بطل


انقر فوق الصورة لتكبيرها


أجرى الحوار: مصطفى مفتي

فضيلة الشيخ: محمد فاروق بطل
سيكون لقاؤنا اليوم مع شخصية متميزة، مع رجل وهب حياته للدعوة في سبيل الله، مع صاحبِ همّة عالية لا تفتر مهما كانت الظروف، همّة تُحرج الجميع كباراً وصغاراً، شيباً وشباباً، يغبطه عليها كلّ الشيوخ، ولا يدانيها أكثر الشباب، ولا أطيل التعريف به لأنني واثق من عجزي عن استيفاء ما يستحق هذا الصرح الشامخ من وصف وتقدير، ولذلك سأتوجه لشخصه الكريم ببعض الأسئلة لنتعرف عن قرب على بعض الجوانب من سيرته المباركة.
س1: أرجو من فضيلتكم أن تعرفونا ببطاقتكم الشخصية؟
الإجابة: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا كما أمر، وأصلي وأسلم على سيد الخلائق والبشر، أما بعد:
الاسم: محمد فاروق حمدو أمين بطل
تاريخ الولادة: 13/5/1936
مكان الولادة: مدينة إدلب.
النسب: بطل....يقول الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ في النسب: (نحن ننتسب إلى سلالة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه).
اللقب: (بطل) ينتمي إلى هذا اللقب أسر كثيرة: منهم المسلمون، ومنهم النصارى،... كذلك ينتمي إلى هذا اللقب أسر في حلب، ودمشق، ولبنان، وفلسطين، ومصر، إضافة إلى مدينة إدلب، التي وُلدتُ فيها ـ نسمع بهم، ولكن لا نعرف أكثرهم.
يقول الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ: أصل العائلة من حلب، ولكنَّ فرعاً منها رحل إلى إدلب، واستقر فيها، وبعضهم رحل إلى دمشق ، وآخرون رحلوا إلى فلسطين...وهكذا.
الوالدان:
الوالد اسمه: حمدو بن أمين.
والوالده اسمها: رشيدة بنت أحمد بطل.
تزوج الوالدن زواجاً مبكراً: أعرس الوالد وعمره /16/ سنة، وأعرست الوالدة وعمرها:13سنة.
أنجبا من الأولاد/13/ ولداً، منهم سبعة ذكور، والباقي بنات.
عاشا في صحة جيدة ـ بحمد الله ـ وفي سعادة زوجية هانئة، رغم ظروف المعيشة القاسية، ورغم الغربة، ورغم الكفاح المشترك، ورغم أيام الحرب القاسية! وامتد عمرهما إلى قرابة الثمانين ـ رحمهما الله تعالى ـ.
س2: شيخنا الحبيب: بعيدا عن الدراسة كيف كانت فترة الطفولة والصبا عندكم؟
الإجابة: أشعر في أعماقي أنني حُرِمت حياة الطفولة والفتوة، وما يرافقهما من لعب ولهو ومتعة، ذلك لأن الثانوية الشرعيَّة كانت تقبل الطلاب من مختلف الأعمار، ففي الوقت الذي كان عمري لا يتجاوز/12/ سنة كان لي رفاق في نفس الصف يقاربون الثلاثين، وشيء آخر: كان كل طلاب القسم الليلي من الريف؛ من عفرين وإعزاز وعين العرب وجرابلس وإدلب وحارم وسلقين وأرمناز والباب ومنبج والمعرة والرقة، ودير الزور وحماة... وقد اكتسبت منهم وبهم أخلاقاً من التواضع والعفوية والبساطة والصفاء، لكن بقيت بينهم غريباً إلى حد ما، كذلك فإن معظم أساتذتي كانوا شيوخاً طاعنين في السن لهم هيبتهم ووقارهم... كما أن والدي ومنذ الصغر كان يصطحبني إلى لقاء الكبار ومجالسهم، هذه العوامل كلها جعلتني لا أشعر بطفولتي وفتوتي، ولا أتمتع بهما، ولا أحس بطعمهما، ولا أتذكر يوماً أنني لعبت كما يلعب الأطفال والفتيان، أو عبثت كما يعبث الأطفال والفتيان، أو لهوتُ كما يلهو الأطفال والفتيان... وهكذا فإنني ومنذ الصغر كانت تغلبني الجدية ومعايشة القضايا العامَّة، واحترام الكبار، والالتزام بالأخلاق المناسبة معهم، والتقيد بأصول التعامل الواجبة تجاههم.
وأضيف شيئاً آخر هو: أنه بسبب فقر الوالد وكثرة عياله، وضخامة أعبائه، كنت أعمل في الإجازات الصيفية، لقاء أجر أسبوعي بسيط، أقدمه لوالدي كي يقضي به حاجته، ويمده بشيء من العون...
ومن المِهن التي عملت فيها:
صناعة الأحذية، وبائع خبز، وأجير سمان، وأجير خياط، وموزع مازوت، ومراقب أشغال عامة، ومرافق مساح الأراضي.
س3: نودّ من فضيلتكم أن تخبرونا بموجز عن مسيرتكم الدراسية؟
الإجابة:
1 ـ المرحلة الابتدائية:
درست المرحلة الابتدائية في مدينتين ومدرستين:
ـ السنة الأولى (1946) كانت في المدرسة الرئيسية في مدينة إدلب، وكان مديرها الأستاذ كامل حكيم ـ رحمه الله تعالى ـ كان إدارياً ناجحاً، له شخصيته وهَيْبته وحزمه.
ـ بقية سنوات المرحلة الابتدائية (1947 ـ 1950)، قضيتها في مدرسة النجاة، بمنطقة الفرافرة في حلب، وكان مديرها الأستاذ فؤاد النقشبندي ـ رحمه الله تعالى ـ كان هو الآخر مديراً إدارياً ناجحاً، ومربياً فاضلاً، وشخصية حازمة.
2ـ المرحلة المتوسطة والثانوية (1951ـ1955):
هاتان المرحلتان كانت تجمعهما الثانوية الشرعية بحلب أو (الخسروية)، وكان مجموع سنوات الدراسة فيها خمس سنوات ـ منها ثلاث سنوات مرحلة متوسطة، يحصل الطالب على شهادة: كفاءة شرعية، وسنتان مرحلة ثانوية، يحصل الطالب على شهادة ثانوية شرعية، خلاف الثانويات العامة التي كانت ست سنوات، وأظن أن المدة قد أضحت اليوم واحدة، ست سنوات للمرحلة الابتدائية، وثلاث سنوات للمرحلة الإعدادية المتوسطة، وثلاث سنوات للمرحلة الثانوية.
خمس سنوات قضيتها في القسم الليلي من هذه الثانوية، مجاوِراً لمسجدها التاريخي الكبير (جامع الخسروية)، ولقلعة حلب الشهيرة، أراها عياناً صباح مساء، بسبب ارتفاعها الشاهق، ومدخلها المرتفع، بينما كانت ثانويتنا في منخفص من الأرض، تنزل إليها قرابة عشرين درجة.
3 ـ مرحلة الدراسة الجامعية :
أ : في كلية الشريعة: 1956ـ1959.
وحين انتسبت إلى كلية الشريعة عام/1955/ كان الأستاذ الدكتور السباعي عميداً لكلية الشريعة، وكان الانتساب إلى كلية الشريعة يقتضي اختباراً تحريرياً وشفوياً، ونجحت في الاختبارين بحمد الله تعالى، ولكن الأستاذ السباعي ـ وخوفاً أن تتسرب عناصر سيئة إلى كلية الشريعة ـ فقد كان يتم السؤال عن الطلاب مسبَقاً على مستوى جميع المحافظات، يزكيهم أهل العلم وأهل الدعوة.
وفي السنة الرابعة من كلية الشريعة سنة تخرجي عام /1959/، كان واجباً على الطالب أن يقدم بحثاً جامعياً، واخترت أن أكتب في موضوع كان يهمني ‑ ولا يزال‑، هو «عوامل الاستقرار في الحياة الإسلامية».
ب : في كلية التربية : 1960.
كتبت بحثاً جامعياً للتخرج من الدبلوم العامة في كلية التربية، وعنوانه «القضاء والقدر في ثوب جديد»، وكان تحت إشراف عميد كلية التربية د. جميل صليبا، أطلعت عليه أستاذنا السباعي، فوافقني عليه.
جـ ـ في كلية الحقوق : 1962ـ1964.
تخرجت ـ بحمد الله تعالى ـ من كلية الحقوق سنة /1964/م، وحصلت على شهادة الليسانس بدرجة جيد.رغم أنني كنت غير متفرغ، وأمارس التدريس في ثانويات حلب.
د‑ الدراسات العليا:
كلية الحقوق جامعة القاهرة (1965):
كان أحد الإخوة يدرس في هذه الجامعة، ويُحضِّر ماجستير في علم المالية، فأرسلت معه أوراقي لتسجيلي في كلية الحقوق ـ قسم الماجستير ـ وقد فعل مشكوراً وسجلني، وحمل لي بعض الكتب المقررة، وبدأت الدراسة فيها، لكنني لم أتابع بسبب منعي من دخول مصر، أيام حكم جمال عبد الناصر، وذلك منذ سنة 1961،
ولنفس السبب لم أتابع الدراسات العليا في جامعة الأزهر.
أضف إلى ذلك سبباً آخر، هو ما كنت أسمعه من أحد الدكاترة وغيره من الإخوة، عن الهدايا والرشاوى التي تقدم هنا وهناك، للحصول على الشهادات العليا، ماجستير ودكتوراه، فأنِفَتْ نفسي أن أسلك هذا السبيل، ولو كان المؤدَّى هو الحصول على شهادة الماجستير أو شهادة الدكتوراه، قد أكون مخطئاً فيما قلت، لكن تلك هي كانت مشاعري التي حالت بيني وبين التسجيل في هذه الجامعة العريقة، وهذه ذكريات لابدَّ أن تدوَّن بكل شفافية وصدق وأمانة.
وطبعاً كان هناك سبب ثالث لعدم متابعتي الدراسات العليا في مصر أو في غيرها، هو الأعباء الدعوية والمسؤوليات الكثيرة، والعمل الوظيفي المعيشي الذي كنت أنهض به، ثم المواجهات السياسية والسجون... كل ذلك حال بيني وبين متابعة الدراسات العليا، والحمد لله على كل حال.
ـ الجامعة الإسلامية في بهاولبور ـ باكستان (1987):
كان قد سبقني للدراسة في الجامعات الباكستانية كثير من الإخوة كالأخ الدكتور عدنان سعيد، والأخ الشيخ الدكتور عبد الله علوان، أقنعني الدكتور(أبو بدر) بذلك، وسجلت في قسم الماجستير في هذه الجامعة، وأنا أدرس في جامعة الملك عبد العزيز، لكن دون أن أفيد منها أي شيء، ودون أن أتمكن من تعديل وضعي ومرتبتي في الجامعة، إذ بقيتُ محاضراً منذ أن عُيِنت، ثم فُتِحت أبواب الجامعات السودانية، لمتابعة الدراسات العليا والحصول على شهادة الدكتوراه، ولكن أعباء العمل الدعوي حالت دون ذلك، والحمد لله.
س4: أرجو من فضيلتكم أن تذكر لنا بعضا من شيوخك ومدرسيك؟
الإجابة: قابلت الكثير من العلماء والأساتذة الأفاضل، فمنهم من درست عليه، ومنهم من قابلته دون أن أتتلمذ على يديه، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر: شيخ شيوخي العلامة المحدث المؤرخ الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ، وشيخ قراء سوريا المقرئ الفَرَضي الرباني الشيخ محمد نجيب خياطة، ومفتي السادة الشافعية الشيخ أسعد عبه جي: كان فقيهاً عالماً جليلاً، درَّسنا الفقه الشافعي، ومفتي السادة الحنفية الشيخ محمد الحكيم أو مفتي حلب الأول، والمحامي الأستاذ عبد القادر كرمان وكان الأستاذ الكرمان شرعياً حقوقياً وخطيباً مفوهاً، والداعية الكبير الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين وهو ابن المجاهد الكبير شيخ أنطاكية الشيخ محمد زين العابدين، والأستاذ أمين عيروض: كان الأستاذ عيروض عالماً لا يلبس زِيَّ العلماء، ثائراً ليس له أنصار، كاتباً ليس له قرَّاء، زوجاً ليس له أولاد، فقيراً ليست له أموال، والشيخ محمد بلنكو مفتي الحنفية في حلب: درست معه مادة مكارم الأخلاق، والشيخ مراد الحيلاني: درست عليه التجويد وبعض مواد اللغة العربية في المرحلة المتوسطة، والشيخ محمد سلقيني نسبة إلى مدينة سلقين غرب مدينة إدلب، درست عليه أصول الفقه، الشيخ محمد الملاح: درست عليه علم مصطلح الحديث، والشيخ طاهر خير الله: لم يدرسني الشيخ، لكنه كان مديراً للثانوية الشرعية فترة من الوقت، الشيخ ناجي أبو صالح: كان من أكثر شيوخنا وأساتذتنا إفادةً لنا في ميدان اختصاصه، وهو النحو والصرف، الشيخ عبد الوهاب سكر عالم جليل درَّسنا مادة فقه السيرة وتراجم أبطال الإسلام لفترة قصيرة، وغيرهم كثير ممن أفدت منهم في علوم شتى، رحمهم الله جميعاً، وجزاهم الله عنا وعن المسلمين خيراً.
س5: نودّ من فضيلتكم أن تخبرونا بموجز عن مسيرة مجلتكم (بشائر الإسلام)، وموقع الرابطة على الشبكة العنكبوتية؟
الإجابة:
أ ـ بالنسبة للموقع:
أحمد الله سبحانه إذ وُفِقْنا في الرابطة لتكليف الأخ الحبيب والعالم الجليل الأستاذ الشيخ مجد مكي ـ حفظه الله تعالى ـ بالإشراف على موقع الرابطة، و ها هو يغذيه بمقالاته وبحوثه واختياراته مما يكتبه السادة العلماء، وبخاصة التراجم التي تأخذ مساحة هامة من مساحات الموقع، والتي نالت إعجاب العلماء في الداخل والمهجر، لأنها تراجم للعلماء من كافة الشرائح والاتجاهات والمدارس العلمية دون أي تمييز، ثم إن هذه التراجم قد أبرزت دور العلماء في قيادة الأمة، وريادة حركة الإصلاح، وتطوير الحركة العلمية في سورية، وقريباً سنوزع بإذن الله كتاباً باسم الرابطة يضم هذه التراجم، سواء تلك التي كتبها شيخنا وأستاذنا العالم الفذ والقائد الرائد الشيخ مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ والتي كتبها في مجلة حضارة الإسلام تحت عنوان (رجال فقدناهم) أو تلك التراجم التي قدَّمها موقع الرابطة. وقد بذل الأخ الأستاذ مجد مكي المشرف على الموقع جهداً كبيراً في خدمة هذا الكتاب جمعاً وتحقيقاً وتصحيحاً جزاه الله كل خير وأحسن إليه.
ولا ننسى ركناً رائعاً في الموقع هو ركن الحوار الذي حاور كثيراً من العلماء.
بالنسبة لي فإن جهدي بالنسبة للموقع هو خدمة القائمين على هذا الموقع، وتهيئة الأسباب المؤدية إلى تطويره نحو الأفضل بالتشاور مع الإخوة أعضاء الأمانة العامة للرابطة، وبخاصة المشرف الرئيس على الموقع الأخ أبي أحمد ، وأضيف إلى هذا الجهد أحياناً كتابة بعض المقالات أو البيانات في الموقع.

ب ـ و بالنسبة للمجلة:

كذلك أحمد الله سبحانه إذ وُفِقتْ الرابطة بثلة من الإخوة العلماء أعضاء الرابطة في اليمن الذين بادروا لإصدار هذه المجلة وأعطَوْا المجلة جهدهم وفكرهم وعلمهم ودأبهم، أشكرهم وأُثني على جهدهم، وأسال الله أن يتقبل منهم، وأخص بالشكر هيئة تحرير مجلة (بشائر الإسلام) رئيساً ومديراً ومنسقاً وكافة الإخوة الكتَّاب والمحررين.
ومن المميزات التي حرصت هيئة التحرير على إنفاذها في كل أعداد المجلة هو الحرص على الإشراف العلمي على ما يُكتَب من قبل مجموعة من العلماء المتخصصين والدعاة العاملين.
طموحنا المستمر بالنسبة لهذه المجلة هو أن تأخذ طريقها إلى المطبعة لتصدر بشكل مطبوع وتوزع في المكتبات، لكن العقبة هي ضرورة الحصول على الترخيص القانوني من قبل الجهة الإعلامية المسؤولة، وإنا ننتظر بفارغ الصبر وعدهم الكريم، كما أننا نطمح أن يشترك أكبر عدد من العلماء في تغذية هذه المجلة، وأن لا تقتصر الكتابة على الإخوة العلماء المقيمين في اليمن. لأنه كلما أسهم أكبر عدد من الكتاب المتخصصين كان التنوع في الموضوعات أكبر، وكانت الفائدة أعظم، ونحاول أن نبذل ما نستطيع من جهد في تحقيق هذا الطموح. إنني أنشط في هذا السبيل، كما أكتب أحياناً بعض المقدمات والتراجم للمجلة بقلمي الضعيف وعلمي المتواضع.

س6: ما هو مجهود أصحاب الفضيلة في مسيرة الرابطة؟ وهل رابطتكم مقصورة على لون فكري واحد؟

الإجابة:
إنه جهد مشكور، ونتطلع إلى مزيد من الجهد والمشاركة الفاعلة، وقد يكون توزع أعضاء الرابطة في مختلف أنحاء العالم سبباً في ضعف المشاركة وبالتالي ضعف التواصل، ثم إن الرابطة لا تملك كادراً متفرغاً يعينها في تحقيق أهدافها وغاياتها، واشهد أن بعض الإخوة أعضاء الأمانة العامة للرابطة يبذلون جهداً طيباً مشكوراً في سير أعمال الرابطة وتحقيق بعض إنجازاتها.
وأما بالنسبة للشق الثاني من السؤال: من حيث المبدأ فالرابطة مفتوحة أمام جميع العلماء ومن كل الشرائح والأطياف، ومن كل المدارس والاتجاهات... وكلُّ من تحققت فيه شروط العضوية الواردة في نظام الرابطة فهو عضو في الرابطة نرحب به، ونسعد بانضمامه، والمجال أمامه مفتوح ليأخذ مكانه المناسب في موقع الرابطة ومؤسساتها.
أما من حيث الواقع: أقول وبكل أسف وألم: إنه قد حُكِم على هذه الرابطة بحكم قاس، وتصنيف غير صحيح، بسبب هوية المؤسِّسين وانتمائهم الدعوي، وكأنه مكتوب على أي عالم له انتماء ما إلى جماعة معينة أو حركة أن لا يمارس نشاطاً آخر في الحقل العلمي مع إخوانه العلماء الذين لهم كذلك انتماءات إلى مدارس وجماعات أخرى.
لقد حاورنا الإخوة العلماء ومن كل الأطياف، ودعوناهم للتعاون، وأكدنا لهم صادقين استقلال الرابطة الكامل فكرياً وسياسياً وتنظيمياً ومادياً، وقلنا لهم: إن إخوتكم في الأمانة العامة للرابطة أشد حساسية منكم بشأن الازدواجية والوصاية والتبعية، ويشهد الله أننا كنا ولا زلنا حازمين في إحكام عملية استقلال الرابطة عن أي جماعة أو هيئة... وعرضنا على إخوتنا كذلك صادقين تسلم منصب الأمين العام وعضوية الأمانة العامة ، ونحن مستعدون أن نسلمهم كل هذه المواقع، ونبقى جنوداً في هذه الرابطة، لكنهم أصروا على تصنيفهم المؤسف، وموقفهم السلبي، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وحتى لا يُظن أن في كلامي شيئاً من عدم الجدية والمصداقية فإن إخواني في الأمانة العامة وغيرهم يشهدون أنني وفي كل لقاء للأمانة أضع استقالتي بين أيديهم، وأرجوهم أن يبحثوا عن أمين عام، وفعلاً اتصلنا بأكثر من أخ عالم، وصُدِمنا بعدم استجابتهم، ولا أريد أن أسمي الأسماء حتى لا يكون ثمة إحراج.
وقلنا لهم كذلك: تتشكل الرابطة من مؤسسات منتخبة، فانضمّوا إليها، خذوا مواقعكم... قالوا: أكثرية أعضاء الرابطة يشكلون انتماء واحداً ومن لون واحد. أجبناهم هاتوا من أحببتم من المنتسبين وليشاركوا في الانتخاب، ولمَّا لم يفعلوا عدَّلنا نظام الانتخاب وطبقنا نظام (الكوتا([1])) أي: طلبنا إلى الإخوة المنتخِبين اختيار عدد من الإخوة أعضاء الرابطة المستقلين ممن ليس لهم انتماء محدد ضماناً لتمثيلهم وهكذا نجح فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني رئيساً للرابطة، وسعدنا بذلك، علماً أنه لم يسبق له انتماء إلى أي جماعة، وهو موضع احترام وتقدير كل الإخوة العلماء في سورية، كما نجح غيره في مؤسسات الرابطة وفي إدارة فروعها.
وبقي موقف الإخوة العلماء سلبياً! رغم كل هذه العروض الصادقة السالفة الذكر، والتي يشهد عليها إخواني في الأمانة العامة للرابطة وحسبنا الله ونعم الوكيل.

س7: ما هي علاقتكم بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

الإجابة: بذلنا جهداً كبيراً ولفترة لا باس بها حتى ظفرنا بعضوية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين... بادئ ذي بدء حين عرضنا طلب عضوية الرابطة في الاتحاد على فضيلة الشيخ القرضاوي ـ حفظه الله تعالى ـ قال: مرحباً بكم كأعضاء، أما كرابطة فلابد أن تحصلوا أولاً على ترخيص قانوني. قلت: يا شيخنا ومن أين نحصل على ترخيص لرابطة العلماء السوريين ونحن في ديار الغربة؟! قال ـ حفظه الله تعالى ـ افعلوا كما فعلنا نحن في الاتحاد، حصلنا على الترخيص من إيرلندا!! وبقيت سنتين أبحث عن دولة يمكن أن تمنحنا الترخيص (السودان ـ تركيا ـ جنوب أفريقيا ـ الدول الأوروبية) وأخيراً وبفضل الله أولاً، ثم بفضل الأخ د. هيثم رحمة([2]) حصلنا على ترخيص رسمي من السويد، عندها تقدمنا بطلب لعضوية الرابطة في الاتحاد، وبحمد الله تمت الموافقة، ثم دُعِي عدد لا بأس به من رابطتنا لحضور اللقاء الثالث للجمعية العمومية للاتحاد، جزى الله فضيلة العلامة القرضاوي خيرا، وبارك له في عمره ووقته.

س8: ما هي رؤيتكم المستقبلية؟ وما هي طموحاتكم؟

أما رؤيتي فهي: أن يتحقق للرابطة مدلول تسميتها، لتكون فعلاً وحقيقة تمثل العلماء السوريين في الداخل والخارج، وبكل أطيافهم وشرائحهم ومدارسهم واجتهاداتهم، وهذا لا يتحقق إلا في أرض سورية الحبيبة وبعد اجتماع شمل العلماء في مكان واحد، وتحت سقف واحد ـ وعسى أن يكون ذلك قريباً بإذن الله ـ فيتعارفوا ويتعاونوا ويتحاوروا، وينطلقوا بهذه الرابطة كياناً واحداً وصفاً واحداً متآخين متكافلين متضامنين متعاونين ليعيدوا للعلماء رسالتهم التي حددها الله لهم )الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا[ {الأحزاب:39} .ويتحققوا بالشرف الذي أكرمهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم : «العلماء ورثة الأنبياء» ويتحملوا مسؤولية الإمامة والقيادة في الأمة:)وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ[ {السجدة:24}.
أما طموحي فهو: أن يهيء الله للرابطة قائداً جديداً، وأميناً عاماً جديداً يتحمل مسؤوليتها ويحقق أهدافها وينهض بمهامها. وقد أكدت لاخواني صادقاً وبغير تواضع وفي أكثر من مرة: أنني لا أصلح لهذا الموقع البتة، فاللقب أكبر مني، وأنا لا أحمل علم العلماء ولا أحمل سمتهم، ولا أتجمَّل بزيهم، وأخيراً فانتمائي الدعوي والسياسي يغلب على اسمي، ولعل هذا هو سبب ابتعاد كثير من العلماء عن الانتساب للرابطة، والمشاركة في أنشطتها، وقلت لهم صادقاً: يكفيني شرفاً أن أخدم الرابطة في أي موقع.
وأخيراً أشكرك شيخنا الحبيب على ما تفضلتم به من خلاصة فكركم وتجربتكم، أسأل الله أن ينفعنا بها.
بارك الله بكم، وجزاكم الله جنات عرضها كعرض السموات والأرض، وأدامكم الله رافدا من روافد الخير لهذه الرابطة المباركة، التي تسير على وقع خطواتكم ونحن من ورائكم نستمد من دأبكم وعزيمتكم، وآخر دعوانا: الحمد لله رب العالمين.

([1]) وهو نظام يطبق في كثير من الدول ضماناً لتمثيل الأقليات العرقية والمهنية وكذا تمثيل المرأة.
([2]) عضو الأمانة العامة في الرابطة والأمين العام المساعد لشؤون أوروبا إضافة إلى مهمته كمسؤولا عن تجمع الأئمة والدعاة في أوروبا.



شاعر الوجدان والإيمان: خالد البيطار - بقلم : مصطفى مفتي



كم نحن مقصرون في حق أعلامنا الذين نعيش معهم، ولا نكاد نذكر فضلهم إلا بعد أن يفارقوا دنيانا، فنذكر حينها مناقب المرحومين ومزاياهم، وطيب شمائلهم، وأصبحت ثقافة تكريم الموتى هي السائدة في أكثر المجتمعات، وكان حريّاً بنا أن نكرّمهم قبل أن نفقدهم، لنشد من أزرهم، وليكونوا علامات حيّة على طريق الدعوة إلى الله، ودليلاً جلياً على استمرار الخيرية في هذه الأمة، فوجود الصالحين ليس حكراً على حقبة معينة دون غيرها، بل أمتنا ولودُ بالخير والأخيار إلى قيام الساعة.

واليوم نعيش مع أنموذج حيّ ما يزال مستمراً في عطائه، له سمته بين شعراء الإسلام المعاصرين، الذي أتحفنا ببديع شعره، وعذوبة ألفاظه، ورصانة أسلوبه، ورُقيّ موضوعاته، وحسن منطقه، وسمو مقصده، ولطف إشارته، فلامس شَغَاف قلوبنا بصدقه ونبله ونبض إخلاصه.

إنه الشاعر الحمصيّ: خالد البيطار، ولد في حمص ‑ مدينة خالد بن الوليد‑ عام 1942م، حيث درس فيها الإعدادية والثانوية، وحصل على درجة الليسانس في الشريعة من جامعة دمشق العريقة عام 1966م، كما حصل منها على دبلوم عام في التربية عام 1967م، وعمل في مجال التربية والتعليم.

من يعفو عن من ...؟!!!!


بقلم: مصطفى مفتي

لا أدري هل نحن نعيش أحداث مسلسل كوميدي هزليّ ؟! أم انها الحقيقة؟! يا للسخرية حين يعفو القاتل عن المقتول! والذابح عن المذبوح!

الحمد لله بعد حوالي خمسين سنة من المعاناة والشقاء على يد هذا النظام حصلنا على براءتنا، وهي وسام ونيشان فوق صدورنا، ينبغي أن نشكر الأسد الكبير والصغير وشبيحتحما على هذه المنحة.

والله إنّ القلم ليعجز عن مجاراة ما يجول في خاطري في هذه المناسبة، وأقول – في عجالة‑ للنظام العادل في بلادي:

من يعوضنا مرارة العقود الخمسة الماضية؟!

من يعوض الثكالى عن أبنائهنّ؟ والزوجات عن أزواجهنّ؟ والأخوات عن إخوانهنّ؟ والآباء عن أبنائهم؟ والأبناء عن آبائهم؟

من يعوض من قضى سجيناً لعقدين أو ثلاثة من عمره في أقبية السجون؟ ذاق فيها ألوان الذل والقهر والمهانة والعذاب.

من يعوض بلادي الفقر والجهل والتخلف عن ركب الحضارة؟

من يعوض الكثير من البنات الحرائر العفيفات عن فوت قطار الزواج؟

من يعوض شبابنا سنين عمرهم وقد فاتهم سن التعليم؟

من يعوضنا ‑ بعد أكثر من ثلاثين عاما من التهجير‑ الحرمان من أعزّ أحبابنا، حيث قَضوا إلى باريهم ونحن في شتات الغربة؟ فارقونا كمداً وحزناً وألماً على فراقنا، فمن يعوضنا فوت اللحظات السعيدة؟ وكم تمنينا أن نقضي العيد بجوارهم، لنقبل أيديهم، ونربت على أكتافهم، ونمسح دمعاتهم، ونطيب خواطرهم، ونؤنس وحشتهم، ونصلي العيد في مسجد الحيّ، ونسلم على الأحباب والأصحاب.

من يعوضنا وعثاء الغربة، وما سكبناه من دمعات الأسى واللوعة والشوق والألم على أرصفة دروبها؟

من يعوضنا حرمان أبنائنا من أواصر القربى حتى، انفصلت عندهم الأسماء عن مدلولاتها؟ فلم يعد يميز الكثير من أطفالنا بين كلمة عمّ أو عمّة أو خال أو خالة، فكل الرجال يشتركون عندهم في لفظة (عمّو) وكل النساء عندهم (خالة).

ومن يعوضنا .. ومن .. ومن .. ومن .. ؟؟!!.

اللهم إنّا نسألك أن تعوضنا من فضلك وكرمك وجودك، وأن تبدّل أحزاننا وحرماننا سعادة في رحابك، وأن تأخذ لنا حقنا من أولئك.... اللهم آمين.


هيهات .. هيهات.. فقد ولى زمن الإصلاحات


بقلم: مصطفى مفتي

لم يعدِ السوريُّ الإنسانُ يثقْ بالنظامِ الطائفيِّ اللا إنسان الحاكمِ في سورية، والذي أذاق شعبه ألواناً وصنوفاً من الذلِّ والهوان.

فمن كان خلقهُ الإيذاء والقتل والتدمير، واقتحام البيوت الآمنة، والتنكيل بساكنيها كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، فأنّى للشعب المكلوم أن يأتمنَه بعد ذلك على نفسه وماله وعرضه؟؟! وكيف سيرضى به حاكماً متصرفاً بشؤونه؟؟! مَثلُ ذلكَ كمثلِ الراعي لا يأمنُ الثعلبَ على غنمه – بعد أن خَبِرَ مكره وخيانته- حتى ولو تظاهر بأنه لا يطمع في أغنامه، وتظاهر بالصلاح والتقوى.

أي إصلاح نبتغيه من المخربين والمفسدين؟؟! وأنى لفاقد الشيء أن يعطيه؟؟!! "أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ " فضحهم الله على على رؤوس الأشهاد حين ينادون للحوار وهم في نفس اللحظة يقتلون كل حيّ دون رحمة، يقتلون الطفل الصغير، كما يقتلون المسنّ ابن الثمانين، ويلطخون أيديهم الآثمة بقتل النساء الحرائر من أبناء شعبنا الأبي، والتي يأنف اللصوص وقطاع الطرق عن فعل ذلك، ويضيفون لونا جديداً إلى جرائمهم البشعة بالإجهاز على الجرحى ووضعهم في الثلاجات وهم أحياء، ولا ننسى الضرب بالهراوات - لمن وقع بين أيديهم- حتى الموت، جريمة لم تشهدها البشرية إلا من شبيحة الأسد، ويلوثون ذممهم –المدنسة‑ بسرقة المصاغ وما غلا ثمنه عند اقتحام البيوت، وذلك بعد أن يعيثوا فيها فسادا وتدميرا، ولا ننسى أعظم شوائنهم، التي ترتعد الأوصال لذكرها، ويكاد القلب يتجمد والدماغ ينفجر لهولها، ألا هي جريمة الاعتداء على أعراض المحصنات العفيفات، البنات والأخوات والأمهات، التي تهتز السموات والأراضين لمجرد ذكرها.

ثلة لم تترك لعصابة على وجه الأرض صنفا من صنوف الآثام إلا وسبقتها إليه، فمن هول الجريمة اختلط الخيال بالحقيقة، وربما ظن القارئ أنني أروي له قصة أحدِ أفلام الرعب الرهيبة، أو أقصّ عليه أسطورة من الأساطير المخيفة، لا والله إنه بعض الواقع الأليم الذي تعيشه بلادي السليبة، نسأل الله تعال أن يحررنا بإجلاء آخر أذناب هذه العصابة عن بلادي الحبيبة.