2011/06/12

أشواك على دروب الاغتراب بقلم: مصطفى مفتي

نعم إنها الغربة، هي ملهمتي في الكثير مما أكتب، هي من يظنها البعض غنيمة، لأنهم لم يجربوا دروبها ومسالكها، ولم يذوقوا لوعتها ومآسيها، ولم يدركوا أهوالها ومخازيها، وخصوصاً أنها لم تكن في يوم من الأيام من خياراتنا، بل أُجبرنا عليها ونحن لها كارهون.


فكم ودعنا من أهل وأصحاب واريناهم الثرى في شتى بقاع المعمورة؟


وكم من عزيز في قومه رحل إلى جوار ربه، ولم يشيعه إلا نفر قليل من بلدان متفرقة؟!!



وكم من كريم كُسرت نفسه لأنه غريب، ويجب عليه الرضوخ والتنازل؟!!


وكم من غنيّ في وطنه ألجأته ظروف الغربة لاستدانة دراهم معدودة ممن يعرف وممن لا يعرف ليشتري أرغفة من الخبز لعياله؟


وإليكم بعضاً مما يقاسيه المغترب في حياته اليومية، ولن أنسب هذه الوقائع إلى صاحبها، وسأتمثلها في نفسي:


مرت السنون الأخيرة قاسية على الكثير من الأحباب، فهناك ندرة في فرص العمل وشحّة في الموارد المالية من جهة، وارتفاعٌ في الأسعار محلياً وعالمياً من جهة ثانية، وكثرة في المطالب والاحتياجات من جهة ثالثة، فكنت ‑ولله الحمد‑ ممن شملهم هذا الحال.


وأذكر ‑في أحد الأشهر القاسية من العام الجاري‑ أنه انتهى راتبي في الثلث الأول من هذا الشهر، وذلك لبعض المصارف الطارئة الخارجة عن الخطّة المالية، فاستدنت من أكثر من جهة، أبغي الوصول إلى بداية الراتب التالي ولكن دون جدوى، ورغم تشبثي بالمال بمخالبي ونواجذي، انتهت ذخيرتي عن آخرها في بداية الثلث الأخير من الشهر، فحِرت في أمري، ونظرت حولي، وظننت أن الناس جميعاً أسوء حالاً مني، فاستحييت أن أطلب قرضاً من أحد.


وأقبل اليوم التالي بمقتضياته، فكان أولها الخبز، حين طلبت الزوجة –حماها الله من كل سوء‑ خبزاً وعلى وجه السرعة لنتناول غداءنا الذي أوشك على النضج، فصَمَتُّ قليلا، وفي هذه الأثناء لاح في ذهني حلّ مؤقت للمشكلة، حيث طلبت من ابني الذهاب إلى الفرن، وأكدت عليه بعد أن يستحوز على الخبز، أن يتلطف في قوله، ويخبر صاحب الفرن بأن الوالد سيدفع له فيما بعد، وطلبت منه أن يضاعف الكمية المعتادة من ثلاثة أكياس إلى عشرة أكياس، حتى لا يتكرر الحرج لأكثر من مرة، ريثما أجد من أقترض منه، وكان الأمر يعتريه شيء من الصعوبة، من الناحية الأدبية أولاً، ولأنني أعلم بأن الفرّان لا يُقرض أحداً سوى أصحاب البقالات والمطاعم ثانياً، وكانت النتيجة طيبة، وتمت العملية بنجاح حسب الخطة المرسومة، والحمد لله.


وبقَدَرِ الله وحكمته انتهى دوائي ‑الذي أتناوله بانتظام منذ سنوات‑ قبل يومين من حادثة شراء الخبز آنفة الذكر، فأجلت شراءه خوفاً على النقود من الانتهاء، ولكنني شعرت بتعب وصداع ألجآني للبحث عن طريقة أشتري فيها العلاج، وكان ذلك في نفس اليوم الذي اشتريت فيه الخبز، فتوجهت من فوري إلى الصيدلية برباطة جأش مفتعلة، وثقة غير تامّة، وطلبت الدواء بكمية مضاعفة – علبتين من كل نوع‑ حتى لا أنقطع من الدواء قبل تأمين ثمنه، وبعد أن وضع الصيدليّ الدواء في الكيس، وسلمني الدواء، شكرته بلطف بعد أن رُسِمت على محياي ابتسامة مشوبة بالقلق، وضربت يدِيَ اليمنى على صدريَ الأيسر، فكان الجيب الأعلى خاوياً من قروشه، وكذلك فعلت بالجيبين السفليين فكانت النتيجة ذاتها، فقلت له بِرِقّة ودَمَاثة: معذرة سأرسل لك النقود مع ابني! .. فكان الرجل لطيفاً ولم يتكلم شيئاً، أو ربما لم أدع له مجالاً للردّ، لأنني غادرت الصيدلية وبيدي كيس الدواء قبل أن ينبس الرجل ببنت شفة.
فكم خجلت من نفسي، وكم آلمني ما فعلت‑ فلم أعتد مثل ذلك من قبل‑ مع أنني لم أكذب، ولم أقل بأنني نسيت المال، ولكن تصرفي يوهم بذلك.


وقفلت راجعاً وأنا أقلب صفحات الذاكرة، فطوّفت في كل ركن في مدينتي، وسلمت على أقربائي وجيراني، وعلى بقّال الحيّ والجزّار والنّجار والخيّاط كل باسمه، وصافحت كل من لقيت بحرارة، خوفاً من أن أفقده فلا أراه ثانية، ولكنني صحوت فجأة على صوت دراجة نارية تمر بجواري، وكفكفت بعض الدمعات الباردة، التي انسابت دونما استئذان، وحمدت الله على ما أنا فيه من نعم كثيرة لا أملك أن أحصيها.


وبعد أيام قليلة جاءني بعض المال وسددت ما عليّ للخباز والصيدلي والبقال و .. و ... الخ، فشكرت الرّزّاق الذي لم تغادرني رعايته على الدوام.


هذه لقطة بسيطة مما يقاسيه المغترب في دروب الاغتراب، التي قد تزينها بعض الورود أحياناً، ولكن تنتابها في الحقيقة الكثير من الأشواك الحادة القاسية.


وعزاؤنا قوله تعالى :(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة 155]، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم: "عجبت لأمر المؤمن ؛ إن أمره كله خير إن أصابه ما يحب ؛ حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر ؛ كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن" وكيف لا نقنع ولا نطمئن والحبيب المصطفى يقول لنا: "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".


فأرجوا من الله تعالى أن يثبتنا ويبدلنا خيراً مما نحن فيه، وأن يفيض علينا من عطائه وفضله، إنه سميع مجيب.
في/ 12-6-2011م

هناك 7 تعليقات:

  1. غير معرف12/6/11 9:12 م

    نعم انها قصص كثيرة لا تحصيها الكتب ولكن القلب والعقل يستطيع ان يتعرف على علاماتها ، هي لم تكن الحاجة الماسة الى الطعام فحسب بل الموضوع المرافق لذلك هو ما اشار اليه الحديث ما كنا نجد الامان في الاقامة فلا تستطيع ان تتحرك الا بمقدار مقتر عليك ، فلا اقامات او لا جوازات او لا اماكن ترحب بك ، تظطر ان تتغطى بعمل لكي لا تثير تساؤلات تحرجك ، لا حنان لزوجتك ان اصابها مكروه ، لا مساوات ان مات لك ميت ، لا حب خال ، لا عطف عم ، لا قربه اخ ، لا رحمة ام ، لا تدبير اب ، الكل يريد منك حقه ولا احد يعرف حقك ، ضاع حق ابن السبيل عند المسلمين الا ما رحم الله ، اما ان كانت منظمات او دولتك تلاحقك سياسيا او قانونيا فتلك قصص اخرى ، اللهم آجرنا في مصائبنا واخلفنا خيرا ، وتوفنا مسلمين ، وعزائي لكل متغرب فما ذقناه في الاغتراب ذاق نسبة منه قد تصل الى 60% او اكثر المقيمين ، فالمكمم فمه ، والذي لا يستطيع ان يعمل ، والذي يعمل باقل من اجرة عامل الشاي وهو يحمل شهادات علمية ، ووووو فالحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال اهل النار ، قال تعالى " ليس البر ان تولوا وجهوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآت المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاه وأت الزكان والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون ...........

    ردحذف
  2. جزاك الله خيراعلى تعليقك أخي الكريم، المقال لقطة صغيرة من العذابات الكثيرة، والتي أشرت إليها في مقالات أخرى، والحمد لله أن من الله علينا بنعمة الإسلام، ونرجوا الله تعالى أن يكتبنا من الصابرين

    ردحذف
  3. أخي الكريم إذا أحببت إقرأ هذا المقال، وسترى فيه بعضا مما ذكرت:
    http://amofti.blogspot.com/2011/06/blog-post_02.html

    ردحذف
  4. غير معرف14/6/11 4:09 ص

    اعانك الله فى غربتك واعان اخواننا الذين يعانون ويلات الغربة ونسال الله ان يكون الفرج قريب ونعود الى بلادنا امنين مطمئنين .
    احييك على هذه الكتابة الرائعة فى اسلوبها وسلاستها وتجعلنا نعيش الحدث لحظة بلحظة
    اخى الكريم نسال الله ان تكون المعاناة فى ميزان حسناتك وهذا داب الانبياء والصالحين الابتلاء حتى ان الانسان يمشى على الارض وليس عليه خظيئة والحمد لله الحس الايمانى ظاهر عندك ولا نزكيك على الله
    اما الامر الاخر اعيب على اخواننا ميسورى الحال وكيف انهم لا يشعرون باخوانهم وكيف لم يسمعو قول النبى وهو يخبرنا عن الملك الذى ينادى كل صباح اللهم اعطى كل منفق خلفا واعطى كل ممسك تلفا وكيف لم يصل لاسماعهم ما نقص مال من صدقة وكيف لم يعلموا ان النماء والزيادة للماء تكون فى الانفاق فى سبيل الله وكيف وكيف ...
    اخيرا اعلم سيدى الفاضل ان ما اصابك لم يكن ليخطأك وما اخطأك لم يكن ليصيبك وهذا انما من حب اللله ان الله اذا احب عبدا ابتلاه ولذلك انبياء اشد الناس بلاء

    ردحذف
  5. غير معرف14/6/11 4:29 ص

    اليوم نحن نبحث عن ملاليم واموال المسلين بالمليارات فى بلاد الغرب وجزء كبير منها لا يستطع ملاكها ان يتصرفو فيها ومنها ما هو مصار ومنها مجمد ومنها ومنها فلا بد من حاكم رشيد عاقل يدير امر الامة ويرجع لها كرامتها السليبة وامنها وامانها ويعيد مجدها الحضارى ودورها الريادى وقتها الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية و ........
    فنصر الله ات وسينقشع الظلام ويعم الامان ونعود للاوطان ونعيش بسلام وياخذ كل ذى حق حقه
    عبدالله

    ردحذف
  6. Abdullah Alhur9/8/11 10:55 م

    هيّجت مشاعري بما كتبت، و ذكرتني بأبيات الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى إذ يقول :
    أرى حمراً ترعى و تعلف ما تهوى
    و أسداً جياعاً تظمأ الدهر لا تروى
    و أشــــراف قوم لا ينالون قوتهم
    و قوماً لئاماً تأكل المنّ و السلوى
    قضاء لديّان الخـــــــلائق نافذٌ
    و هل على مرّ القضا أحد يقوى !!
    و قال في موضع آخر :
    و عبد قد ينام على حرير و ذو نسب مفارشه التراب

    ردحذف
  7. شكرا أخي فهذه مشاعرك الرقيقة والشفافة التي وضعتك في هذه الحالة الشعورية الإنسانية الراقية، ورحم الله الشافعي منبع العلم والحكمة

    ردحذف